ابن تيمية
53
مجموعة الفتاوى
مَعَ جَوَازِ الْمُقَاسَمَةِ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ . وَالْعَمَلُ فِي بِلَادِ الشَّامِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِن المَالِكِ أَوْ مِن العَامِلِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمْ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ نَبِيِّهِمْ وَإِلَى الْيَوْمِ . فَمَنْ كَانَ يُعَامِلُ بِالْمُزَارَعَةِ : كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةُ نَصِيبِهِمْ وَمَنْ كَانَ يَتَقَلَّدُ قَوْلَ مَنْ يُبْطِلُ هَذِهِ الْمُزَارَعَةَ وَيَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِن الزَّرْعِ شَيْئاً وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْفَلَّاحِ إلَّا الْأُجْرَةُ وَأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُقَاسَمَةَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْفَلَّاحِ كَانَ ظَالِماً آكِلاً لِلْحَرَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ الزَّرْعَ لِلْفَلَّاحِ . وَيُعَرِّفَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إلَّا أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الْفَلَّاحِ بَعْدَ هَذَا بِأَنْ يُقَاسِمَهُ وَيُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ كَانَ الْفَلَّاحُ حِينَئِذٍ مُتَفَضِّلاً عَلَيْهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ . وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ الْفَلَّاحِينَ لَوْ عَلِمُوا هَذَا لَمَا طَابَتْ بِذَلِكَ نَفْسُ أَكْثَرِهِمْ فَهَذَا حَقِيقَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .